أبي حيان التوحيدي
266
المقابسات
هذا لأمرين : أحدهما أن في القسمة قد تبين أن هاهنا محركا ، لأن في مقابلته محرك غير محرك ، والثاني أن معقولنا من قولنا الباري محرّك الأشياء لأنها تنحوه وتصمد إليه وتتشوقه وتفعل به وتنفعل له ، لأنه تقدس وعلا يوسم ما يوسم به أصناف ما تحرك أو محرك وقال بعض الأوائل : العلم والعمل حدا الفلسفة ، وكل واحد منهما بين ضدين : فالعلم بين الصدق والكذب ، والعمل بين الخير والشر . ثم قال : هذه الرذائل كلها إعدام - هذا لفظه - فمن ألفها واستعملها وانقاد لها وغلب عليها فقد أعدم نفسه وعدمها وعدم معها واضمحل فيها ، والعدم حال سيئة مكروهة فاحشة ، لا يأتي عليها نعت وان كان بليغا ، ولا يحيط بها قول وإن كان شافيا . فاما الفضائل فعلى خلاف هذه كلها ؟ هي موجودة ولها الوجود المستفاد من الوجود الأول . فمن اقتناها واستعملها وراض نفسه بها إليها ، وأجرى عادته عليها ، وألان عريكته لها ، انقطاعا عما عداها وانقطع إليها ، وكمل مناقصه بالازدياد منها ، بقي موجودا بوجودها : وجودا لائقا به على قدر اشتماله عليها ، وتصريفه لها ، وإمعانه فيها ، فما ظنك بحال توضح لك الفصل بين الموجود والمعدوم ، وترشحك لنيل ملك عظيم ، وتحليك للظفر بشأن جسيم ، وتوقفك على صراط اللّه المستقيم ؟ ثم قال : وليس في التحلي بالحكمة تعب كثير ، قد واللّه شاهدنا قوما تحملوا آلاما كثيرة وركبوا أهوالا عظيمة لسبب أغراض باطلة ، وأعراض زائلة ، ولسبب هوى سول لهم ، وقرين أغواهم ، واعتقاد ردئ غلب عليهم ، وشئ حقير تعجلوه بشهواتهم ! وطلب السعادة باصلاح السريرة وانتحال الصواب أهون من ذلك أجمع . فلا يصدنك عن سلوك هذه المحجة البيضاء أمر مبهم ، ولا حال مستعجمة ، فإن فيما تدركه وتشرف عليه وتنال الروح به خلفا كثيرا وفائدة عظيمة . فلا تكل نفسك إلى اختيار السوء ، وإلى قرناء السوء ، فإنك إن فعلت ذلك خسرت خسرانا مبينا وضللت ضلالا